محمد بن جرير الطبري

17

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

لجواز اجتماع ذلك في حالٍ واحدٍ من شخص واحد . فقائل ذلك صادق إذا كان صاحبه على ما وصفه به . فكذلك ما قلنا - في الأحرف التي ذكرنا وما أشبهها - غيرُ مستحيل أن يكون عربيًّا بعضها أعجميًّا ، وحبشيًّا بعضها عربيًّا ، إذ كان موجودًا استعمالُ ذلك في كلتا الأمتين . فناسِبُ ما نَسبَ من ذلك إلى إحدى الأمتين أو كلتيهما محقٌّ غيرُ مبطل . فإن ظن ذو غباءٍ أن اجتماع ذلك في الكلام مستحيلٌ - كما هو مستحيل في أنساب بني آدم - فقد ظنّ جهلا . وذلك أن أنساب بني آدم محصورة على أحد الطرفين دون الآخر ، لقول الله تعالى ذكره : { ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ } [ سورة الأحزاب : 5 ] . وليس ذلك كذلك في المنطق والبيان ، لأنّ المنطق إنما هو منسوب إلى من كان به معروفًا استعمالُه . فلو عُرِف استعمالُ بعض الكلام في أجناس من الأمم - جنسين أو أكثر - بلفظ واحد ومعنى واحد ، كان ذلك منسوبًا إلى كل جنس من تلك الأجناس ، لا يستحق جنسٌ منها أن يكون به أولى من سائر الأجناس غيره . كما لو أنّ أرضًا بين سَهل وجبل ، لها هواء السهل وهواء الجبل ، أو بين برٍّ وبحرٍ ، لها هواء البر وهواءُ البحر - لم يمتنع ذو عقل صحيح أن يصفها بأنها سُهْلية جبلية ( 1 ) . أو بأنها بَرِّية بِحْرية ، إذ لم تكن نسبتها إلى إحدى صفتيها نافيةً حقَّها من النسبة إلى الأخرى . ولو أفردَ لها مفردٌ إحدى صفتيها ولم يسلبها صفتها الأخرى ، كان صادقًا محقًّا . وكذلك القول في الأحرف التي تقدم ذكرناها في أول هذا الباب . وهذا المعنى الذي قلناه في ذلك ، هو معنى قول من قال : في القرآن من كل لسان - عندنا بمعنى ، والله أعلم : أنّ فيه من كلّ لسان اتفق فيه لفظ العرب ولفظ غيرها من الأمم التي تنطق به ، نظيرَ ما وصفنا من القول فيما مضى .

--> ( 1 ) النسبة إلى سهل ( بفتح فسكون ) : سهلى ، بضم السين ، على غير القياس .